علي الهجويري
461
كشف المحجوب
سببها ، لذلك فمن شعر بالوجد فإما أن يكون مضطربا بالشوق المحرق في حال الحجاب ، أو مستكينا بالمشاهدة في حال الكشف إما زفير وإما نفير ، إما حنين وإما أنين ، إما عيش وإما طيش ، إما كرب وإما طرب . وللمشايخ آراء مختلفة في الوجود أيهما أكمل فبعضهم يقول : إن الوجود هو صفة المريدين ، والوجد صفة العارفين ، والعرفون أرقى مرتبة من المريدين ، وعلى ذلك يكون الوجد أرقى وأكمل من الوجود ، لأنهم يقولون : إن كل شيء قابل للوجود يدرك والمدرك مجانس للمدرك في احتمال التحديد ، والله سبحانه وتعالى منزه عن التحديد وعلى ذلك فإن ما يجده الإنسان لا شيء اللهم إلا إذا كان ( مشربا ) لكن الذي لم يجده وعجز عن طلبه هو الحق وواجده هو الله . وبعضهم يقول : إن الوجد هو نار الشوق للطالبين ، أما الوجود فهو ما يكرم به العاشقون وحيث أن العاشقين ، هم أرقى درجة من المريدين فالتمتع بالعطية مع السكينة يلزم أن يكون أكمل من نار الطلب . ولا يمكن أن تحل هذه المسألة إلا بالحكاية الآتية : وهي أتى الشبلي مرة إلى الجنيد وهو في حالة تواجد فلما رأى الجنيد حزينا سأله عما يؤلمه فأجابه الجنيد من طلب وجد ، فقال له الشبلي : إنما من وجد طلب . وقد شرح المشايخ هذه الحكاية بقولهم : أن الجنيد كان يشير إلى الوجد والشبلي إلى الوجود وإني أقول أن رأى الجنيد هو الحجة لأن الإنسان متى علم أن مطلوبه الذي يعبده ليس مجانسا له لم يكن لحزنه نهاية ، وقد شرحت هذا الموضوع في كتابي هذا . وقد أجمع المشايخ أن قوة المعرفة أكبر من قوة الوجد . لأنه لو كانت قوة الوجد أقوى لكان الإنسان المتأثر بها في مقام خطير ، بينما أن من رجحت فيه كفة المعرفة فهو آمن ، وعلى ذلك فالواجب على الطالب في جميع أحواله أن يكون متابعا للمعرفة والشرع الشريف ، لأنه إذا غلب عليه الوجد حرم الخطاب ولا يستحق الثواب على عمل صالح أو العقاب على شر ويكون بذلك مستثنى من الكرامة والمهانة على السواء وعلى ذلك فإنه يكون في زمرة المجانين لا في مقام الأولياء والمقربين ، فمن تغلب علمه على